أحمد بن محمد مسكويه الرازي

290

تجارب الأمم

- « خذ من شعره فاجمعه . » فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل ، فأخذ شعره وضرب وجهه به . فقال المتوكّل : ما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حيث أخذ شعري على السواد الجديد وقد جئته فيه طامعا في الرضا عنى فأخذ شعري عليه . فلمّا بويع جعفر أمهل وهو يفكّر في مكروه يناله به . ثمّ أمر إيتاخ بأن يأخذه ويعذّبه فيبعث إليه إيتاخ فظنّ أنّه يدعى للخليفة ، فركب مبادرا . فلمّا حاذى منزل إيتاخ ، قيل له : - « اعدل إلى ها هنا . » فعدل وأوجس [ 322 ] في نفسه خيفة . فلمّا جاء إلى الموضع الذي كان نزل فيه إيتاخ عدل به عنه فأيقن بالشرّ ثمّ أدخل حجرة وأخذ سيفه ودرّاعته وقلنسوته فدفع إلى غلمانه ، وقيل لهم : - « انصرفوا . » فانصرفوا وهم لا يشكّون أنّه مقيم عند إيتاخ ليشرب . ووجّه المتوكّل إلى أصحابه ودوره ، فقبض عليهم فأخرج جميع ما كان في منزله من متاع وجوار وغلمان ودوابّ ، فصار ذلك كلَّه في الهارونىّ ، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت . فأمّا ما كان بسرّ من رأى فحمل إلى خزائنه واشترى للخليفة جميعه وقيل لمحمد بن عبد الملك : - « وكّل ببيع متاعك . » وأتوه بمن وكّله بالبيع عليه ثمّ قيّد ، وامتنع من الطعام فلا يذوق شيئا . وكان شديد الجزع في حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكير . فمكث